لك نصيب من الخير سنتبرع بجزء من قيمة طلبك لدعم الجمعيات القرآنية

وصايا لا تشيخ (2)

وهنا يعود الحديث لاستكمال بقية النصائح التي لم أرغب أن أحتفظ بها لنفسي ..

– بناء بيئة تربوية:
صناعة بيئة تربوية يلمس فيها الدارسون بركة القرآن و بأن كتاب الله سبحانه وتعالى حاكمًا على السلوك التربوي تجعل المحاضن التربوية مثالية وفعّالة جدًا في تحقيق أهدافنا المرجوّة، ومما أرغب تذكير نفسي واياكم به هو العناية ببناء بيئة تربوية تليق بما نُقدّم من علم، وذلك بأن تكون هذه البيئة أولًا ايمانية فبذلك نصنع قدوات لديها قاعدة ومرجع ثابت لا يتذبذب في خضم معارك هذه الحياة وثورة المستجدات ووسائل الإعلام التي قد يفتقد الطالب الرقابة الوالدية الرقمية في منزله فتضعف ايمانه وتجعله سهل الانجذاب حول كل ما يهدد عقيدته ومفاهيمه، ثانياً أن تكون بيئة آمنة فالأمان أساس العلاقات كلها حتى بين المربي وتلميذه او ابنه، حيث لا خوف من ارتكاب الاخطاء والمحاولات الفاشلة والاسئلة الإيمانية التي تجول في عقله، فهو يعلم يقينًا أن مربيه مأمون الجانب سيصحح مساره ويقوّم طريقة تفكيره ويأخذ بيده دون عقاب أو لوم أو سخرية، ثالثًا أن تكون بيئة وقّادة وأعني بذلك أن تكون محفزة، تحفز الخيال والتفكير الابداعي، تعطي الطلبة مساحة للتعلم والبعد عن القيود والتعليمات المقيّدة، فلكلّ أمر قدره المعقول، ولقد واجهت معلمات ومربيات تكاد تتصدع جدارن الغرفة التربوية من حزمها الصارم، إن هناك شعرة بين النزول لمستوى الطلبة وأخذ تمكينهم وتطويرهم على عاتقك وبين السفه وانعدام الاحترام والانضباط.

– غياب مفهوم ( معلم القرآن ):
بعد هذه النصائح، دعونا نعود قليلًا لانفسنا، نعم نحن معلمي القرآن، إن أخطر ما قد يواجهنا هو تبديل المفاهيم وتحويلها واستبدالها بمعايير لا تزن عند الله شيئًا قط، عندما يتحول مفهوم حمل الرسالة وتعليم القرآن إلى سلّم للصعود، لِنُرَى لا لنرقى في درجات الجنان، لِنُبهِر لا لِنُبصِّر، حين ننشغل بمن سيشكرنا، أكثر من انشغالنا بمن سيهتدي..
فهنا تبدأ الانزلاقات الخفية في طريق كان يُفترض أن يكون نحو الله، خلود الأثر أنفس وأزكى في ميزان السماء من خلود المؤثر، ألا ترى النووي صاحب كتاب الأذكار الذي قال فيه العلماء ( بع الدار واشترِ الأذكار ) لعظمة كتابه وشهرته، أنه كان صنيعة رجل أخذ على عاتقه إقناع والد النووي بالاعتناء به وتركه يرتحل للعلم، رجل لا نعلم اسمه لكن الله يعلمه!
أعظم الأثر أن ينسى الناس اسمك ولكن يتذكروا أنهم أحبوا الله والقرآن عندك!
وتذكر! كلما ارتفع السلم كلما قلّ الأثر.
فاللهم طيب البقاء وحسن الأثر.

– استثمار اللحظة التربوية:
اللحظات التربوية أجمل مافيها أنها لا تحتاج إلى تخطيط مسبق بل إنسانيّة حيّة، واستجابة ذكية للحظة قصيرة قد تصنع أثرًا عميقًا لا يُمحى، وهذه المواقف واللحظات التربوية نافذة واسعة على قلب مفتوح للتأثر حينها، فالعفوية هي سيّدة اللحظة!
ولذا أرى أن من الأمانة الاستعداد لمثل هذه اللحظات بالتزوّد المعرفي وتغذية العقل بكل ما قد يُسعفك وقتها سواء في منزلك مع أبنائك أو حلقتك مع طلابك، فالمتعلم يعيش الحدث بكل مشاعره وبعفوية تامة، لذا لابد أن يكون المربي يقض ذهنيًا وحاضر حتى يواجه هذه اللحظات التربوية بحكمة ونضج أكثر ويستثمرها بدلًا من أن يبددها!
قد تكون هذه اللحظات دقائق قليلة إلا أننا بحكمتنا ونضجنا نحولها إلى أثر ممتد لا يسع المتعلم نسيانه.

– جدد أدواتك باستمرار:
إنّ العالم من حولنا يتغير بسرعة مذهلة، والابن الذي نربيه اليوم يعيش في بيئة غنية بالمعرفة والتقنية والتأثيرات المتنوعة، مما يجعل حاجته لمربي واعٍ ومُحدّث في أساليبه أكبر من أي وقت مضى، فكلما جدد المربي أدواته وفكره، استطاع أن يحاكي عقول الجيل، ويغذي قلوبهم، ويربطهم بالثوابت في صورةٍ عصريةٍ مؤثرة.

فالتجديد هنا لا يعني تغيير الرسالة، بل هو إحياء لروحها بوسائل أكثر جاذبية وفاعلية، حتى يظل القرآن حاضرًا في نفوس الأبناء كحاجة يومية وملاذٍ ثابت، يُقدَّم بلغة يفهمونها وأسلوب يلامس واقعهم، فمواكبة التطور المعرفي الذي يشهده واقعنا اليوم أصبح ضرورة لا رفاهية؛ فليس كل ما كان صالحًا في الماضي يمكن أن نستفيد منه الان! والمعلم والمربي الفطن يعي ذلك.


مقالات مشابهة :