لك نصيب من الخير سنتبرع بجزء من قيمة طلبك لدعم الجمعيات القرآنية

وصايا لا تشيخ ( ١ )

هكذا تمضي بنا الأيام بين طياتها ونحن مابين ترقّب وطول أمل، نسعى لتحقيق آمال ونؤجل أخرى، نتوه في شؤون الدنيا حينًا ونستذكر الآخرة حينًا آخر، ويضل الزمن عامل جوهري وخطير، فتحقيق مفهوم الاستخلاف في الأرض وتحويل السويعات القليلة إلى أثر يمتد إلى ما شاء الله ليس بتلك السهولة، والبركة من الله سبحانه وتعالى، ولأن الزمن ساحة تكليف لا مساحة ترف عند معلمات القرآن، تبقى بعض الوصايا خالدة، لا يبهت نورها، ولا يشيخ أثرها، وصايا تُروى بالحب، وتُغرس بالتفاني، وتثمر أجيالًا تعرف الله، وتحمل رسالته بصدق وجمال ولاسيما بين الدور والحلقات القرآنية.

في هذه التدوينة، أجمع لكم بعضًا من تلك الوصايا، من قلب معلمة قرآن ومربية، أردت بها مشاركة معلمي ومعلمات القرآن شيئًا من التبصرة والتذكرة فكلنا نتشارك الهدف ذاته نحو الارتقاء بالمحاضن التربوية – القرآنية – وتحقيق المأمول منها.

  • جدد النيّة:
    يقول ابن ابي جمرة” وددت أنه لو كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلّم الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد إلى التدريس في أعمال النيّات ليس إلاّ، فإنه ما أُتيَ على كثير من الناس إلا من تضييع النيات” فمن فضل الله علينا وكرمه تداخل النيات في العبادة الواحدة، فاحتسب خروجك للحلقة ووقوفك بين يديّ القلوب العطشى، تحفكم ملائكة الرحمن ويرضى عنكم الله في سمائه، أجر التعليم وأجر قراءة القرآن وأجر السير في طلب العلم وأجر احتواء القلوب وأجر….، أجور وأجور والعمل واحد فالحمدلله!

  • أعد تعريف القدوة:
    إن القدوة لا يتصنعها الإنسان في لحظة معيّنة ولا يتكلفها لأنه فقط يقف أمام طلبته أو ابنائه، إنما هي نتيجة تهذيبك لنفسك ومجهوداتك التي تقوم بها في سبيل اصلاح نفسك وحملها على جادّة الصواب، فبئس المرء الذي يولج نفسه في العلم دون اعتنائه بالعمل! فالكل يستطيع أن يحفظ القرآن لكن لا يستطيع الجميع التخلق بأخلاقيات القرآن والعمل بما فيه إلا بمغالبة طباع السوء فيه وتهذيب ذاته والصبر عليها وردعها قدر المستطاع.

  • بناء حصانة فكرية:
    الاهتمام بسلامة الاعتقاد وتصحيح التصوّرات هو أساس بناء الحصانة الفكرية في المحاضن التربوية، فسواء اعتنى المربي والمعلمين بتدريس العقيدة ونقلها للحلقات أم لا؛ فستظهر حتمًا على سلوكياته وحل المشكلات التربوية التي يتعرض لها، وستتسرب عقيدته إلى الطلاب والابناء من خلال المواقف اليومية والمجالسة، وقد حذر كثير من العلماء من مجالسة أهل الاهواء والبدع الذين يملكون معتقد مشوّه، وخطرهم على نشأة الصغار والشباب، ولذلك فإن الحلقات القرآنية منبر تربوي عميق يمكن أن يتصدى للفوضى القيمية والانحرافات الفكرية بشدة إن أحسنا تفعيل هذه الحلقات وجعلناها بيئة متكاملة لبناء حصانة فكرية وليست فقط للحفظ والتجويد، ولذلك علينا أن نجعل القيم القرآنية مرجع ومعيار للحكم على الافكار الدخيلة والشبهات، وتعزيز القدرة على التمييز بين الحق والباطل وتنمية التفكير النقدي وخلق بيئة آمنة لحل جميع الاشكالات والاسئلة الايمانية التي تتطرق لعقولهم بحذر وتأني، فالحلقات القرآنية مساحة لتصحيح المفاهيم وصناعة قدوات مؤثرة في محيطها تعتر بتعاليم القرآن الكريم.


  • أعِن نفسك بالتزوّد:
    الانتقال من حالة التلقي إلى حالة العطاء يحتاج إلى برنامج خاص يزداد به المربي والمعلم علمًا وفقهًا وثقافة تعينه على معالجة المشكلات السلوكية والنوازل التي تحتاج وقفة جادّة منه، فمواكبة العلوم والمعارف المعاصرة وحب الاستطلاع والتزوّد تساعد معلمي القرآن وكل من له صلة بالطفل في تأسيس قاعدة معرفية متكاملة ونظرة شمولية لكل ما يطرأ على الأجيال، وتحميه من الترجيه والارشاد الخاطئ المبني على تعاليم وانطباعات لم تعد لها فعاليتها في الزمن الحالي، لذا المربي الناجح حقًا ومعلم القرآن الذي يريد أن يترك أثرًا حيًا له أن يستمر في التعلم باختلاف طرائق التعلم وأن يطوّع كل ما يستطيع لخدمة كتاب الله على الوجه الذي يرضيه عنّا سبحانه.


  • التدرج في غرس القيم والتعليم:
    من جماليات الدين الاسلامي أنه يعي طبيعة النفس البشرية واختلاف غرائز وخصائص الناس، وأن التدرج أصل في التربية الاسلامية، قال تعالى: ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) هذا ما أنزله الله لنا، دين ميسر، إيجابي وواقعي، وكما أوصى الماوردي: ” واعلم أن للعلوم أوائل تؤدي إلى أواخرها، ومداخل تفضي إلى حقائقها، وليبتدئ طالب العلم باوائلها لينتهي إلى أواخرها، وبمداخلها ليفضي إلى حقائقها، ولا يطلب الآخر قبل الأول، ولا الحقيقة قبل المدخل، فلا يدرك الآخر ولا يعرف الحقيقة لأن البناء على غير أساس لا يُبنى والثمر من غير غرس لا يُجنى” فالدين لا يطلب منك سوى الصدق والعزم والثبات والاستمرارية وتتابع الخطوات الصغيرة المتعثرة حتى يتشكل الكمال والاتقان في كل علم، لذا على جميع معلمي القرآن الكريم أن يعوا أن تحقيق الاهداف التربوية والدراسية لا تؤتى أكلها من أول اسبوعين ولا حتى أول شهر، بل يحتاج إلى ذكاء في التخطيط، ووضع أهداف دراسية مبنية على معايير ومنهجية واضحة غير بطيئة ولا سريعة، تجعل العلوم والايات تتجذر في قلوب وعقول الدارسين حتى تصبح أساس يُبنى عليه مراحل أعمق وأعلى من الفهم والعمل، كما أن التدرج يساهم في تجنب الاشباع المفاجئ الذي يُفقد المتعلم الحافز والرغبة نحو التعلم،

وللحكاية بقيّة ..

 

مقالات مشابهة :